image
القضاء الإداري

رسوم الأراضي البيضاء: متى يسقط الرسم عن أرضٍ لم يستطع مالكها تطويرها؟

المؤلف: المحامي الدكتور حسام العريان • تاريخ النشر: 29 Sep, 2026
 ليست كل أرضٍ فضاء خاضعةً للرسم، وليس كل تأخّرٍ في التطوير يُنسب إلى مالكها. والفرق بين الحالتين تحكمه نصوصٌ واضحة وأحكامٌ مستقرة — لا الاجتهاد ولا الانطباع.
أولاً: أين تبدأ المسألة
الخطأ الشائع أن يُناقش المالك الفاتورة في قيمتها، والمسألة في حقيقتها ليست في التقدير بل في المناط: هل تحقق في الأرض وصفُ «الأرض البيضاء» أصلاً؟
المادة الأولى من النظام — بعد تعديله بالمرسوم الملكي رقم (م/٢٤٤) وتاريخ ١٤٤٦/١١/٧هـ — تُعرّفها بأنها: «كل أرض فضاء قابلة للتطوير والتنمية، داخل حدود النطاق العمراني».
ثم جاءت اللائحة التنفيذية — الصادرة بقرار معالي وزير البلديات والإسكان رقم (١/٤٧٠٠١٢١٠٧٣) وتاريخ ١٤٤٧/٠٢/١٩هـ — فنصّت في مادتها الثامنة على أربعة معايير يتوقف عند تحقق أيٍّ منها تطبيق الرسم:
  •  انتفاء أيٍّ من اشتراطات تطبيق الرسم
  •  وجود مانع يحول دون تصرّف المكلف في الأرض، أثناء المدة النظامية لسداد الرسم
  •  وجود عائق يحول دون صدور التراخيص والموافقات اللازمة لتطوير الأرض أو بنائها، أثناء المدة النظامية لسداد الرسم
  •  إنجاز تطوير الأرض أو بنائها خلال المدة النظامية
وعلى الحالتين الثانية والثالثة شرطٌ واحد حاسم، بنصّ اللائحة: «على ألا يكون المكلّف متسبباً أو مشاركاً في قيام العائق».
فالمعادلة كلها تدور على سؤال: مَن أوقف المسار؟
ثانياً: الفرق بين «المانع» و«العائق»
المانع يقع على الملكية والتصرف — كنزاعٍ قضائيٍّ على الأرض، أو نزع ملكية جزءٍ منها.
العائق يقع على الترخيص والموافقة — أي أن الملكية مستقرة، لكن الجهة لم تُصدر ما يُمكّن من التطوير.
وأكثر ملفّات الاعتراض تخطئ حين تقدّم واقعةَ عائقٍ تحت وصف المانع، فتُردّ.
ثالثاً: ما استقر عليه القضاء الإداري السعودي
(١) متى يثبت العائق؟ قضت المحكمة الإدارية بأن قيام المكلّف بالإجراءات اللازمة لتطوير الأرض دون تقصيرٍ أو إبطاء، مع تأخر الجهات المختصة في إصدار الموافقات بسبب الطبيعة الخاصة للأرض — أثرُه: ثبوت وجود عائق، ولا يُعدّ المكلف متسبباً ولا مشاركاً في قيامه. (الحكم المنشور في مجموعة الأحكام الإدارية لعام ١٤٤١هـ، المجلد ٢، ص ٣٨٨، تصنيف قرار إداري رقم ١٠)
(٢) هل يُقبل قول الجهة إن هذه الإجراءات «شرطٌ واجبٌ» منها؟ لا. قضى الحكم ذاته بأن تأخّر الجهات المختصة في إصدار الموافقات يُعدّ عائقاً عن التطوير، ولا ينال من ذلك الدفع بأن هذه الإجراءات تُعتبر شرطاً واجباً من الجهة المختصة — ووضع أربعة معايير للنظر: تاريخ تقديم طلب تطوير الأرض، والإجراءات المتخذة، والمدة التي تستغرقها الجهة المختصة في إصدار الترخيص، ومدى تسبّب المالك في تأخر ذلك. وهذه المعايير الأربعة هي — عملياً — هيكلُ أي اعتراضٍ ناجح.
(٣) متى يُقاس العائق: يوم الفاتورة أم يوم الجلسة؟ قضى الحكم ذاته بأن محل النظر القضائي — للبحث عن مشروعية القرار — هو النظر في وجود العائق وقت صدور القرار، وأن زوال العائق خلال العام ليس يقينياً ليُقال بمشروعية القرار وتُردّ دعوى المكلف بناءً عليه. وأثر ذلك عملي وخطير: ما استجدّ بعد الفاتورة لا يُصحّحها، وما كان قائماً يومها يعيبها.
(٤) هل يلزم أن تصدر الجهة قراراً صريحاً بالرفض؟ لا. في قضيةٍ كان صك الأرض فيها لدى لجنة فحص الصكوك، قضت المحكمة بأن ذلك من العوائق التي تمنع المكلف من تطوير الأرض وتوجب إلغاء الرسم، ولو كانت حالة الصك سارية المفعول، ونفت مشاركة المكلف معلّلةً بأن معاملة فحص الصك «إجراء إداري قانوني تختص به كتابة العدل دون أن يكون للمكلف علاقة به». (١٤٤٢هـ، المجلد ٢، ص ٤٢٢، تصنيف رقم ٢١)
وهذا أهم ما في الباب: العبرة بانفراد الجهة بالإجراء، لا بصدور ورقةٍ مكتوبةٍ بالرفض. فالجهات لا تُصدر قرارات رفضٍ في مرحلة الدراسة، وإنما تُبقي الطلب معلّقاً — واشتراطُ الرفض الصريح يُفرغ النص من معناه.
(٥) ماذا لو كان العائق على جزءٍ من الأرض فقط؟ قضت المحكمة بأن نزع ملكية جزءٍ من أرض المكلف، ورفعه دعوى إدارية يطلب فيها التعويض عمّا اختُزل من عقاره، يُعدّ من موانع التصرف وعوائق التطوير التي تُسقط الرسم — ولا ينال من ذلك أن النزاع على جزءٍ فقط، ولا انتهاء المحكمة إلى ردّ دعوى التعويض، ولا كون المدعى عليها جهةً إدارية. (١٤٤٣هـ، المجلد ٢، ص ٤٠٠، تصنيف رقم ١٦)
(٦) وإذا احتوت الأرض أجزاءً لا تخضع للرسم أصلاً؟ هنا قاعدةٌ يغفل عنها كثيرون: إذا حوت الأرض أجزاءً لا يُفرض عليها الرسم، فلا يصح أن يُفرض الرسم على كامل الأرض دون استثناء المساحة غير الخاضعة، ومخالفة ذلك تجعل القرار معيباً وجديراً بالإلغاء. (١٤٤١هـ، المجلد ٢، ص ٣٨٢، تصنيف رقم ٩)
فإن كانت أرضك تحوي أوديةً، أو حقوق طريق، أو مساحاتٍ مستقطعةً للخدمات العامة — ثم احتُسب الرسم على كامل المساحة — فأنت أمام سببٍ مستقلٍّ للإلغاء لا يتوقف على إثبات العائق أصلاً.
(٧) والنزاع القضائي على الأرض؟ قضت المحكمة بأن النزاع القضائي الحقيقي — سواء كان المكلف فيه مدعياً أو مدعى عليه — يجعله غير قادرٍ على تطوير الأرض فلا يصح فرض الرسم عليها؛ وأنه لا يُشترط أن يكون الصك غير سارٍ، ولا أن يُهمَّش عليه بالإيقاف أو الإلغاء، ولا أن يصدر أمرٌ قضائيٌّ بإيقاف التصرف.
والعلّة التي ذكرتها المحكمة نفيسة: «لأن النزاع مظنة عدم استقرار الملك في الأرض؛ فلا يتكلف المالك البدء في تطويرها والإنفاق على بنيتها التحتية المشروطة عليه لاعتماد المخطط النهائي، ثم قد تنتهي الخصومة القضائية بعدم ملكيته لها». (١٤٤٠هـ، المجلد ٤، ص ١١٩، تصنيف رقم ١٦)
رابعاً: ومتى يخسر المالك رغم وجود العائق؟
هنا يكمن الفرق بين الاعتراض المُحكَم والمرتجل، وهاتان سابقتان تستحقان التأمل:
الأولى: قضت المحكمة بأن من لم يبدأ في إجراءات تطوير الأرض إلا بعد فرض الرسم عليها، ثم واجه عائقاً ليس له يدٌ في نشوئه، ولكن كان يمكنه تسريع الإجراءات لو بدأ فيها فور صدور النظام — فإن تأخّره يجعله مشاركاً في قيام العائق. (١٤٤١هـ، المجلد ٢، ص ٣٧٢، تصنيف رقم ٨)
الثانية — وهي حديثة: في الدعوى رقم (١٠٧٧١) لعام ١٤٤٧هـ — المؤيَّدة استئنافاً بالحكم رقم (١٠٣٧٩) لعام ١٤٤٧هـ — تمسّكت المالكة بكثبانٍ رمليةٍ تعيق دخول المعدات وبحساسيةٍ بيئية، فرُدّت دعواها، وقررت الدائرة أن الأعمال التمهيدية من رفعٍ مساحيٍّ ودراساتٍ هندسيةٍ ومخاطبات لا تُعدّ سبباً مانعاً من فرض الرسم، «ما لم يترتب عليها مَنعٌ فعليٌّ من إصدار التراخيص».
فالمناط إذن: المنع الفعلي. لا السعي، ولا الصعوبة، ولا طبيعة الأرض التي كان المالك عالماً بها قبل تملّكه.
خامساً: الخلاصة العملية
الاعتراض الذي يصمد يقوم على أربعة أركان مجتمعة:
  1.  مباشرةٌ سابقةٌ على تاريخ الفاتورة، موثّقةٌ بتواريخها.
  2. عائقٌ من فعل الجهة أو من إجراءٍ تنفرد به، لا من فعل المالك.
  3. منعٌ فعليٌّ من صدور الترخيص أو الموافقة — لا مجرد بطءٍ أو صعوبة.
  4. توثيقٌ مستنديٌّ بمحررات الجهة نفسها، لا بعباراتٍ عامة
وتذكّر بأن : معيار «التطوير» تغيّر. كانت اللائحة الملغاة تجعله معياراً شكلياً — «الأرض الفضاء التي اعتُمد تخطيطها بشكل نهائي من الجهة المختصة» — وصار في اللائحة النافذة معياراً موضوعياً: «تنفيذ البنية التحتية للأرض بشكل كامل، وفقاً للتراخيص الصادرة لها؛ وبما يتوافق مع المتطلبات التنظيمية والمخطط المعتمد». فمن يستشهد بأحكامٍ قديمةٍ دون التنبّه لهذا الفارق يبني على نصٍّ لم يعد قائماً.
تواصل معنا عبر واتساب
متاح ومباشر

يمكنكم التواصل المباشر مع أمانة المكتب وفرق المتابعة في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية:

اتصال هاتفي: +201011033686 تواصل عبر واتساب السعودي تواصل عبر واتساب المصري