image
الدستور -النظام الاساسي للحكم

متى وكيف يُعدَّل الدستور؟

المؤلف: المحامي د / حسام العريان • تاريخ النشر: 15 Oct, 2026

لا يحدد الدستور المصري حالات بعينها يجوز فيها تعديله، لكنه يشترط أن يكون لكل تعديل سبب معلن، وأن يمر بإجراءات مشددة، وألا يمس ضمانات بعينها.

كثيرًا ما يُطرح السؤال: متى يجوز تعديل الدستور؟ والجواب أن المادة 226 لم تضع قائمة بالأسباب، ولم تشترط مرور مدة معينة على العمل بالدستور. فالضمانة الحقيقية ليست في حصر الأسباب، وإنما في ثلاثة أمور: من يملك الطلب، والأغلبيات والمواعيد التي يمر بها، وما حصّنه النص من التعديل.

ويعرض هذا المقال لهذه الأمور استنادًا إلى نصوص دستور 2014 المعدَّل سنة 2019، ثم يتخذ تعديلات 2019 نفسها مثالًا تطبيقيًّا.

من يملك طلب التعديل؟

حق طلب تعديل الدستور مقصور على جهتين فقط (المادة 226):

■  رئيس الجمهورية.

■  خُمس أعضاء مجلس النواب.

ويترتب على ذلك أن هذا الحق لا يثبت لغيرهما:

■  الحكومة لا تملك طلب التعديل، وإن كانت تملك اقتراح القوانين.

■  مجلس الشيوخ لا يملك الطلب، لكن رأيه يُؤخذ في الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور (المادة 249).

■  المواطنون لا يملكون المبادرة بالتعديل، ولكن كلمتهم هي الأخيرة في الاستفتاء.

وهناك حظر صريح على من يتولى الرئاسة مؤقتًا: فلا يجوز لمن حل محل رئيس الجمهورية، أو لرئيس الجمهورية المؤقت، أن يطلب تعديل الدستور (المادة 160). فالسلطة المؤقتة تدير المرحلة الانتقالية، ولا تغيّر القواعد التي تحكمها.

أسباب التعديل: شرط التسبيب

يشترط الدستور أن يُذكر في طلب التعديل أمران: «المواد المطلوب تعديلها، وأسباب التعديل» (المادة 226).

ومن هذا الشرط تُستخلص ثلاث نتائج:

  1. التعديل جزئي ومحدد: النص يتحدث عن تعديل «مادة أو أكثر»، ويلزم الطالب بتسمية المواد. فالطريق الذي ترسمه المادة 226 هو تعديل نصوص بعينها، لا وضع دستور جديد.
  2. السبب معلن منذ البداية: يعرف المجلس، ثم الناخبون، لماذا يُطلب التعديل، فيوازنون بين السبب المعلن والنص المقترح.
  3. لا قائمة مغلقة بالأسباب: لم يحصر الدستور الأسباب التي يجوز الاستناد إليها، وترك تقديرها للمجلس بالأغلبيات المشددة، ثم للشعب في الاستفتاء.

ومن الأسباب التي تُساق عادةً لتعديل الدساتير: معالجة قصور ظهر في التطبيق، أو إنشاء مؤسسة جديدة، أو إعادة تنظيم العلاقة بين السلطات، أو توسيع تمثيل فئات بعينها. وهذه أمثلة لا حصر، ولا يرد بها نص في الدستور.

فالسؤال الحقيقي إذن ليس «متى يجوز التعديل؟»، بل «ما الذي لا يجوز تعديله، وما الإجراءات التي لا يصح التعديل بدونها؟».

خطوات التعديل: من الطلب إلى الاستفتاء

يمر التعديل بموافقتين منفصلتين من مجلس النواب، يفصل بينهما ستون يومًا على الأقل، ثم باستفتاء شعبي (المادة 226):

  1. النظر في الطلب: يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يومًا من تاريخ تسلمه.
  2. قبول مبدأ التعديل: يصدر المجلس قراره بقبول الطلب كليًّا أو جزئيًّا بأغلبية أعضائه. فإذا رُفض، لم يجُز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي.
  3. مدة التروّي: إذا وافق المجلس على الطلب، ناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد ستين يومًا من تاريخ الموافقة.
  4. إقرار النصوص: تلزم موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس على التعديل.
  5. الاستفتاء: يُعرض التعديل على الشعب خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدور هذه الموافقة.
  6. النفاذ: يكون التعديل نافذًا من تاريخ إعلان النتيجة، وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين في الاستفتاء.

ويُؤخذ فوق ذلك رأي مجلس الشيوخ في الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور (المادة 249)، دون أن يكون رأيه ملزمًا.

وهذه الإجراءات أشد بكثير مما يلزم لإصدار القوانين: فالقانون العادي تكفي فيه الأغلبية المطلقة للحاضرين بما لا يقل عن ثلث عدد أعضاء المجلس، والقانون المكمل للدستور يصدر بموافقة ثلثي عدد الأعضاء دون استفتاء (المادة 121). وهذا ما يُعرف بجمود الدستور: أن تعديله لا يتم بالطريق الذي تُعدَّل به القوانين.

ما لا يجوز تعديله

تنص الفقرة الأخيرة من المادة 226 على أنه: «في جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات».

ويحمي هذا النص ثلاثة موضوعات:

■  إعادة انتخاب رئيس الجمهورية: ويرتبط بها مبدأ ألا يتولى الرئيس الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين (المادة 140).

■  مبادئ الحرية.

■  مبادئ المساواة.

والحظر هنا ليس مطلقًا، بل يعمل في اتجاه واحد. فالتعديل الذي يضيف ضمانات جائز، والتعديل الذي ينتقص منها ممتنع، ولو توافرت له الأغلبيات المطلوبة.

ويضيف الدستور ضابطًا آخر في المادة 227: «يشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجًا مترابطًا، وكلًّا لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية متماسكة». ومقتضى ذلك أن النص المعدَّل يُقرأ في ضوء بقية النصوص، ولا يُفهم منفصلًا عنها.

تعديلات 2019 مثالًا تطبيقيًّا

جرت تعديلات 2019 وفق المادة 226، وأُجري الاستفتاء عليها في الخارج أيام 19 و20 و21 أبريل، وفي الداخل أيام 20 و21 و22 أبريل 2019. وشملت الموضوعات الآتية:

■  المادتان 102 و244 مكررًا: تخصيص ربع مقاعد مجلس النواب على الأقل للمرأة، ابتداءً من الفصل التشريعي التالي.

■  المادة 140: مدة الرئاسة ست سنوات، ولا يتولى الرئيس الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.

■  المادة 241 مكررًا: انتهاء مدة الرئيس الحالي بانقضاء ست سنوات من إعلان انتخابه في 2018، وجواز إعادة انتخابه لمرة تالية.

■  المادتان 150 مكررًا و160: جواز تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وحلوله محل الرئيس عند المانع المؤقت.

■  المواد 185 و189 و190 و193: المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وطريقة اختيار رؤساء الجهات القضائية والنائب العام ورئيس المحكمة الدستورية العليا، واختصاص مجلس الدولة.

■  المواد 200 و204 و234: مهمة القوات المسلحة، والقضاء العسكري، وتعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

■  المادتان 243 و244: تمثيل العمال والفلاحين، والشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين في الخارج، تمثيلًا ملائمًا في مجلس النواب.

■  المواد 248 إلى 254: إنشاء مجلس الشيوخ في باب سابع جديد.

وأثارت المادتان 140 و241 مكررًا نقاشًا فقهيًّا في ضوء الفقرة الأخيرة من المادة 226، وفيه رأيان:

■  رأي يرى التعديل جائزًا: الحظر ينصرف إلى النصوص المتعلقة بعدد مرات إعادة الانتخاب، وهو ما بقي محدودًا بمدتين متتاليتين، ولا يمتد إلى طول المدة. ويضيف أن الشعب، صاحب السلطة التأسيسية، أقرّ التعديل في استفتاء.

■  رأي يراه داخلًا في الحظر: إجازة إعادة انتخاب الرئيس القائم لمرة تالية تتصل مباشرة بإعادة الانتخاب، ولا تتعلق بمزيد من الضمانات، فتدخل في نطاق الفقرة الأخيرة.

ويبيّن هذا النقاش أن الفقرة الأخيرة من المادة 226 هي موضع الثقل في أي حديث عن حدود تعديل الدستور.

خلاصة

الدستور المصري لا يحصر أسباب تعديله، لكنه يحيط التعديل بأربعة قيود:

  1. في المبادرة: لا يطلبه إلا رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب، ولا يطلبه من يتولى الرئاسة مؤقتًا.
  2. في المضمون: يجب أن يُذكر في الطلب المواد المطلوب تعديلها وأسباب التعديل.
  3. في الإجراءات: موافقتان من مجلس النواب، الثانية بأغلبية الثلثين وبعد ستين يومًا من الأولى، ثم استفتاء شعبي.
  4. في الحدود: لا يجوز تعديل نصوص إعادة انتخاب الرئيس ومبادئ الحرية والمساواة، إلا لمزيد من الضمانات.

فمن يسأل عن تعديل مقترح، ينبغي أن يسأل ثلاثة أسئلة: هل صدر الطلب ممن يملكه؟ وهل احترمت الإجراءات والأغلبيات والمواعيد؟ وهل يمس التعديل ضمانة حصّنها الدستور؟ فإن اجتاز هذه الأسئلة، كانت الكلمة الأخيرة للشعب في الاستفتاء.

تواصل معنا عبر واتساب
متاح ومباشر

يمكنكم التواصل المباشر مع أمانة المكتب وفرق المتابعة في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية:

اتصال هاتفي: +201011033686 تواصل عبر واتساب السعودي تواصل عبر واتساب المصري