image
الدستور -النظام الاساسي للحكم

متى يُحلّ مجلس النواب؟

المؤلف: المحامي الدكتور حسام العريان • تاريخ النشر: 01 Oct, 2026

لماذا نسأل هذا السؤال؟

الدستور المصري لا يسمح بحل مجلس النواب إلا في ثلاث حالات فقط، ولا يترك الأمر لرغبة أي سلطة منفردة.

كثيرًا ما نسمع عبارة «حل البرلمان» في الأخبار والنقاشات، وقد يظن البعض أنه قرار سهل يملكه رئيس الجمهورية متى شاء. والحقيقة غير ذلك تمامًا. فمجلس النواب هو صوت الشعب المنتخب، وهو الذي يشرّع القوانين ويراقب الحكومة، ولذلك أحاطه الدستور بسياج من الحماية.

في هذا المقال نشرح ببساطة: متى يُحل المجلس؟ ومتى يُمنع حله؟ وما الأمور التي يظن الناس خطأً أنها تؤدي إلى حله؟ ونعتمد في ذلك على نصوص دستور 2014 بعد تعديلات 2019.

أولًا: ثلاث كلمات لا ينبغي الخلط بينها

قبل أن ندخل في التفاصيل، نميّز بين ثلاثة أمور مختلفة:

  • فضّ دور الانعقاد: يشبه نهاية العام الدراسي. ينعقد المجلس كل عام في أكتوبر، وتستمر دورته تسعة أشهر على الأقل، ثم يفضّها رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس. ولا يجوز ذلك قبل اعتماد الموازنة العامة (المادة 115). المجلس هنا باقٍ، وأعضاؤه باقون، وكل ما في الأمر أنه دخل في إجازة.
  • انتهاء المدة: المجلس يُنتخب لمدة خمس سنوات من تاريخ أول اجتماع له، ويُنتخب المجلس الجديد خلال الستين يومًا السابقة على نهايتها (المادة 106). هذه هي النهاية الطبيعية والمعتادة.
  • الحل: هو إنهاء وجود المجلس قبل أن تكتمل مدته، ثم الذهاب إلى انتخابات جديدة. وهذا هو موضوعنا.

بعبارة بسيطة: الفضّ إجازة، وانتهاء المدة تقاعد طبيعي، أما الحل فهو إنهاء مبكر لا يحدث إلا بشروط صارمة.

الحالة الأولى: الرئيس يطلب الحل، والشعب يقرر

هذه هي الحالة الوحيدة التي يبدأ فيها الحل بإرادة رئيس الجمهورية، لكنه لا يستطيع إتمامه وحده (المادة 137).

يضع الدستور أربعة شروط:

  1. أن تكون هناك ضرورة حقيقية، لا مجرد خلاف عادي.
  2. أن يصدر القرار مسبَّبًا، أي يذكر الرئيس أسبابه بوضوح.
  3. أن يوافق الشعب في استفتاء عام.
  4. ألا يكون السبب هو نفس السبب الذي حُلّ من أجله المجلس السابق.

وتسير الخطوات هكذا: يصدر الرئيس قرارًا بوقف جلسات المجلس، ثم يُجرى الاستفتاء خلال عشرين يومًا على الأكثر. فإذا وافقت أغلبية المشاركين، يصدر قرار الحل، وتُجرى انتخابات جديدة خلال ثلاثين يومًا، ويجتمع المجلس الجديد خلال عشرة أيام من إعلان النتيجة.

الفكرة هنا واضحة: الشعب هو من انتخب المجلس، فهو وحده من يملك إنهاءه مبكرًا.

الحالة الثانية: المجلس يرفض الحكومة مرتين

إذا رفض المجلس حكومتين متتاليتين، يُعدّ منحلًّا تلقائيًا، دون قرار من أحد ودون استفتاء (المادة 146).

كيف يحدث ذلك؟

  1. يكلّف الرئيس رئيسًا لمجلس الوزراء بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على المجلس.
  2. إذا لم تحصل على ثقة أغلبية الأعضاء خلال ثلاثين يومًا، يكلّف الرئيس شخصًا آخر يرشحه الحزب أو الائتلاف صاحب أكثر المقاعد.
  3. إذا لم تحصل الحكومة الثانية أيضًا على الثقة خلال ثلاثين يومًا، يُعدّ المجلس منحلًّا.
  4. يدعو الرئيس لانتخاب مجلس جديد خلال ستين يومًا.

لماذا هذا الحل؟ لأن الدولة لا تستطيع أن تبقى بلا حكومة. فإذا عجز المجلس عن التوافق على حكومة مرتين، يُعاد الأمر إلى الشعب ليختار مجلسًا جديدًا يستطيع ذلك.

الحالة الثالثة: المجلس يتحدى الرئيس ويخسر

إذا حاول المجلس سحب الثقة من رئيس الجمهورية ورفض الشعب ذلك في الاستفتاء، يُعدّ المجلس منحلًّا (المادة 161).

يجوز لمجلس النواب أن يقترح سحب الثقة من الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ويحتاج ذلك إلى طلب مسبَّب يوقّعه أغلبية الأعضاء، ثم موافقة ثلثي الأعضاء. بعدها يُطرح الأمر على الشعب في استفتاء، ويكون أمامه طريقان:

  • إذا وافق الشعب: يُعفى الرئيس من منصبه، وتُجرى انتخابات رئاسية خلال ستين يومًا.
  • إذا رفض الشعب: يُعدّ مجلس النواب منحلًّا، وتُجرى انتخابات برلمانية خلال ثلاثين يومًا.

إنها أشبه بمبارزة يحكم فيها الشعب: من يخسر ثقته يغادر. وهذا الجزاء يجعل النواب يفكّرون جيدًا قبل هذه الخطوة. ولذلك أيضًا لا يجوز تقديم الطلب للسبب نفسه أكثر من مرة واحدة طوال المدة الرئاسية.

متى يُمنع حل المجلس؟

حتى في الحالات السابقة، يغلق الدستور باب الحل تمامًا في ثلاثة مواقف:

  • أثناء حالة الطوارئ (المادة 154): لأن الطوارئ تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية، والبرلمان هو الرقيب عليها. فلا يصح إزاحة الرقيب في أشد الأوقات حاجة إليه.
  • في يد الرئيس المؤقت (المادة 160): من يحل محل الرئيس مؤقتًا لا يحق له حل مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ولا إقالة الحكومة، ولا طلب تعديل الدستور. فهو يدير المرحلة لا أكثر.
  • لنفس سبب الحل السابق (المادة 137): حتى لا يتحول الحل إلى أداة تتكرر كلما جاء مجلس لا يعجب السلطة التنفيذية.

أسباب يظنها الناس سببًا للحل، وهي ليست كذلك

تعديل الدستور وتغيير مدة الرئاسة لا يؤديان إلى حل المجلس.

تعديل الدستور: مجلس النواب هو نفسه من يناقش التعديل ويوافق عليه بأغلبية الثلثين، ثم يُعرض على الشعب في استفتاء (المادة 226). فكيف يكون التعديل سببًا في حل المجلس الذي صنعه؟

مدة الرئاسة: للرئيس مدة ست سنوات (المادة 140)، وللمجلس مدة خمس سنوات (المادة 106). كل مدة مستقلة عن الأخرى، ولا تؤثر إحداهما في الثانية.

وأوضح دليل على ذلك تعديلات 2019 نفسها. فقد غيّرت مدة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست، وغيّرت تشكيل مجلس النواب بتخصيص ربع المقاعد للمرأة. ومع ذلك لم يُحل المجلس القائم وقتها، بل نصت المادة 244 مكررًا على أن التشكيل الجديد يُطبّق «اعتبارًا من الفصل التشريعي التالي للفصل القائم». أي أن الدستور حمى المجلس القائم حتى من تعديل يخصّه مباشرة.

الخلاصة

الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة في بقاء البرلمان أو رحيله.

في الحالة الأولى يحسم الشعب الأمر باستفتاء، وفي الثالثة كذلك. وفي الثانية يُعاد الأمر إليه مباشرة عبر انتخابات جديدة. ولا توجد حالة واحدة يستطيع فيها شخص بمفرده أن ينهي وجود المجلس.

هذا هو معنى التوازن بين السلطات: الرئيس لا يستطيع التخلص من المجلس وحده، والمجلس لا يستطيع التخلص من الرئيس وحده. وبينهما يقف الشعب حكًما.

وإذا سمعت يومًا حديثًا عن «حل البرلمان»، فاسأل سؤالًا واحدًا: أي من هذه الحالات الثلاث هي المقصودة؟ فإن لم تكن واحدة منها، فالكلام لا سند له في الدستور.

تواصل معنا عبر واتساب
متاح ومباشر

يمكنكم التواصل المباشر مع أمانة المكتب وفرق المتابعة في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية:

اتصال هاتفي: +201011033686 تواصل عبر واتساب السعودي تواصل عبر واتساب المصري