بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة رئيس محكمة الاستئناف سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
مذكرة استئناف
(مرافعة)
|
المستأنف |
علاء شحاتة كامل عبد المقصود، ...... الجنسية، حامل هوية مقيم رقم: ............... |
|
المستأنف ضده |
النيابة العامة |
|
الحكم المستأنف |
الحكم الصادر من المحكمة الجزائية ......، الدائرة ....، بالصك رقم: ........... وتاريخ 13/11/1447هـ، في القضية رقم: ........... |
|
أسباب الحكم |
نحيل للحكم منعاً للتكرار |
|
منطوق الحكم |
نحيل للحكم منعاً للتكرار |
أولاً: قبول الاعتراض شكلاً
لما كان الحكم محل الاعتراض قد صدر بتاريخ 13/11/1447هـ، وكان الاعتراض بطلب الاستئناف مقدماً خلال المدة النظامية، وحيث نصت المادة (194) من نظام الإجراءات الجزائية على أن مدة الاعتراض بطلب الاستئناف أو التدقيق ثلاثون يوماً، وأن الحكم الصادر بالقتل يجب رفعه إلى محكمة الاستئناف لتدقيقه ولو لم يطلب أحد الخصوم ذلك؛ فإن الاعتراض يكون مقبولاً شكلاً لتقديمه في الميعاد النظامي، فضلاً عن كونه متعلقاً بحكم واجب التدقيق لصدوره بالقتل.
ثانياً: أسباب الاعتراض
أسس الحكم المستأنف قضاءه بالقتل حداً على أن الواقعة قتل غيلة؛ مستنداً إلى أن المستأنف حضر إلى المجني عليه حاملاً هدية عبارة عن شاشة تلفاز، وأن ذلك كان حيلة وخداعاً، وأنه دخل عليه في موضع يأمن فيه المجني عليه جانبه، ثم اعتدى عليه بعدة طعنات.وهذا التكييف محل نظر شرعاً ونظاماً وقضاءً؛ إذ إن مناط قتل الغيلة ليس مجرد وقوع القتل في مسكن، ولا مجرد سبق الحضور للمجني عليه، ولا مجرد حمل شيء يصلح تفسيره على أنه هدية، بل مناطه أن يكون القتل على وجه حيلة وخداع مجردين، يزول بهما موجب الاحتراز، وبغير عداوة أو خصومة سابقة تحمل المجني عليه على الاحتياط ولا ينازع المستأنف في أصل ما قرره قرار هيئة كبار العلماء رقم (38) وتاريخ 11/8/1395هـ من أن قتل الغيلة ما كان مجرد عدوان على وجه الحيلة والخداع أو على وجه يأمن معه المقتول غائلة القاتل، وإنما النزاع في تنزيل ذلك القرار على واقعة الدعوى فالقرار لا يطبق على كل قتل تم بعد دخول أو لقاء أو انفراد، وإنما يطبق عند تحقق مناط الحيلة والخداع والأمن من الغائلة تحققاً لا شبهة فيه.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (1193)، الصادر بالقرار رقم (10/3/38) وتاريخ 20/2/1400هـ، أن قتل الغيلة الذي يوجب القتل حداً هو أن يقتل القاتل شخصاً سراً لأجل ماله أو عرضه أو خشية أن يفشي سره ونحو ذلك، من غير عداوة سابقة بينهما تحمل المقتول على الاحتراز منه وأخذ الحيطة. وهذا المبدأ يضيق مناط الغيلة ولا يوسعه، ويجعل انتفاء العداوة السابقة شرطاً مؤثراً في الوصف.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (1194)، الصادر بالقرار رقم (10/3/38) وتاريخ 20/2/1400هـ، أن القتل من أجل العداوة والخصام لا يعد قتل غيلة، ولا يقتل صاحبه حداً. وقررت كذلك في المبدأ رقم (1195)، الصادر بالقرار رقم (4/55) وتاريخ 6/3/1407هـ، أن القتل من أجل العداوة والخصام لا يعد قتل غيلة.
والثابت من مدونات الحكم أن سبب اللقاء والسؤال كان متصلاً بما يعتقده المستأنف من تسبب بعض الأشخاص في فصله أو الإضرار به في عمله، وأنه سأل المجني عليه عن ذلك، فلما أجابه بأنه لا يعرف غضب المستأنف ووقعت الواقعة. فهذا التصوير، على فرض صحته، يدل على خصومة وانفعال وغضب ناشئ عن سبب سابق، لا على قتل غيلة بالمعنى الحدّي الذي قررته المحكمة العليا.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (865)، الصادر بالقرار رقم (4/532) وتاريخ 8/4/1428هـ، أن الأصل عدم الغيلة حتى يثبت ما يدل عليها. وقررت في المبدأ رقم (862)، الصادر بالقرار رقم (3/393) وتاريخ 7/3/1428هـ، أن الأصل أن يكون دم القتيل للورثة، ولا ينقل ذلك إلى حكم الحد، كالمحاربة والفساد وقتل الغيلة.
ومؤدى ذلك أن انتقال الحكم من قتل متعلق بحق أولياء الدم إلى قتل حدي لا يكون بالاستنتاج أو الاحتمال، بل بدليل مستقل صريح يثبت مناط الحد. فإذا بقيت الواقعة محتملة لكونها قتلاً نشأ عن عداوة أو خصومة أو انفعال، امتنع وصفها بالغيلة، وسقط موجب القتل حداً.
ويؤيد ذلك أن المحكمة العليا قررت في المبدأ رقم (799)، الصادر بالقرار رقم (4/526) وتاريخ 11/10/1422هـ، أن القتل حداً لا بد أن يثبت موجبه بما لا شبهة فيه. وقررت في المبدأ رقم (665)، الصادر بالقرار رقم (4/38) وتاريخ 29/1/1411هـ، أن الدماء لا يقدم على إراقتها إلا عند وجود موجب وانتفاء الشبهة المانعة. وبناءً عليه، فإن الحكم المستأنف أخطأ حين عامل الوقائع المحتملة معاملة الدليل القطعي على الغيلة، ورتب عليها القتل حداً، رغم أن مبادئ المحكمة العليا تجعل الأصل عدم الغيلة، وتجعل قتل العداوة والخصام خارجاً عن حد الغيلة، وتجعل دم القتيل في الأصل لورثته لا للحد، إلا بدليل لا شبهة فيه.
من أخص أوصاف قتل الغيلة أن يكون المجني عليه آمناً من غائلة الجاني على وجه لا موجب معه للاحتراز، وأن يقع الفعل على وجه الخديعة التي تسلب المجني عليه فرصة الحذر أما إذا كان بين الطرفين سبب سابق للخصومة أو العداوة أو الغضب، فإن مناط الغيلة ينتفي أو يتطرق إليه الاحتمال المانع من الحد.
والحكم نفسه أورد أن المستأنف سأل المجني عليه عمن تسبب في فصله أو إيذائه في الشركة، وأن الواقعة وقعت بعد هذا السؤال والجواب، وأن الغضب كان حاضراً في سياق الحادثة. وهذا السبب السابق يخرج الواقعة من صورة قتل الغيلة التي لا تقوم على عداوة ظاهرة، ويجعلها، على أقصى تقدير، قتلاً ناشئاً عن خصومة أو غضب أو انتقام لحظي.
وقد جاء المبدأ رقم (1194)، الصادر بالقرار رقم (10/3/38) وتاريخ 20/2/1400هـ، صريحاً في أن القتل من أجل العداوة والخصام لا يعد قتل غيلة ولا يقتل صاحبه حداً. وجاء المبدأ رقم (1195)، الصادر بالقرار رقم (4/55) وتاريخ 6/3/1407هـ، مؤكداً للمعنى ذاته.
كما أن المبدأ رقم (1193) اشترط في الغيلة أن تكون من غير عداوة سابقة تحمل المقتول على الاحتراز. وهذا القيد جوهري، لأن وجود سبب سابق للخصومة ينقل الفعل من دائرة الخداع العام الآمن إلى دائرة النزاع الخاص، ويجعل وصف الغيلة غير متحقق، أو على الأقل مشتبهاً، والشبهة في الدماء مانعة من الحكم بالحد.
وحيث إن المادة (3) من نظام الإجراءات الجزائية لا تجيز توقيع عقوبة جزائية إلا بعد ثبوت الإدانة بأمر محظور شرعاً أو نظاماً وبعد محاكمة تجرى وفقاً للمقتضى الشرعي، فإن مقتضى ذلك في عقوبة القتل حداً أن يثبت الوصف الحدّي ثبوتاً لا شبهة فيه، لا أن يستخلص من واقعة قابلة لتفسير آخر أخف.
لذلك فإن وجود سبب سابق للخصومة والغضب يوجب إسقاط وصف الغيلة، أو على الأقل يمنع الحكم بالقتل حداً، عملاً بمبادئ الاحتياط للدماء ودرء القتل عند وجود المدفع، ومنها المبدأ رقم (646)، الصادر بالقرار رقم (6/18) وتاريخ 3/2/1408هـ، المتضمن أنه يتعين درء القتل عن المسلمين ما وجد لذلك مدفع.
اعتمد الحكم على حمل المستأنف شاشة تلفاز باعتبارها هدية للمجني عليه، وجعل من ذلك قرينة على الحيلة والخداع المكونين للغيلة. وهذا استدلال غير لازم؛ لأن الهدية لا تدل بذاتها على نية القتل، ولا على الحيلة الحدّية، ولا على سبق التخطيط فالهدية قد تحتمل أكثر من معنى: فقد تكون وسيلة للتقرب، أو الاسترضاء، أو فتح الحديث، أو حمل المجني عليه على الإفصاح عمن تسبب في فصل المستأنف أو الإضرار به. وهذه الاحتمالات لا يصح إهدارها في دعوى دماء تنتهي إلى القتل حداً.
والحيلة في قتل الغيلة ليست كل تصرف سبق اللقاء، بل هي حيلة مقصودة لإيقاع المجني عليه في مأمن كاذب بغرض قتله. أما مجرد حمل هدية، مع وجود علاقة عمل سابقة وسبب خصومة وسؤال عن واقعة الفصل، فلا يكفي شرعاً ونظاماً للقول بأن الهدية كانت وسيلة غيلة لا تحتمل غير ذلك.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (2192)، الصادر بالقرار رقم (3/1/154) وتاريخ 29/8/1437هـ، أن القرائن لا تصل إلى الحكم بالعقوبة المتناهية، وأن الدماء يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها، ولا يصار لها إلا بدليل صريح لا يدخله الاحتمال. كما قررت في المبدأ رقم (2318)، الصادر بالقرار رقم (1/1/117) وتاريخ 14/5/1436هـ، أن الدماء لا تستباح إلا بدليل لا يتطرق إليه الاحتمال.
ومتى كانت دلالة الهدية محتملة، فلا يجوز جعلها دليلاً على الحيلة الموجبة للقتل حداً؛ لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال في الحدود والدماء، ولا سيما مع قيام أصل مقرر قضائياً هو أن الأصل عدم الغيلة حتى يثبت ما يدل عليها، وفق المبدأ رقم (865).
استند الحكم إلى تعدد الطعنات ومواقعها في القول بتوافر القصد والنية والغيلة. وهذا الاستدلال غير كافٍ لإثبات الوصف الحدّي؛ لأن تعدد الطعنات يثبت شدة الاعتداء وكيفيته، لكنه لا يثبت بذاته سبب الاعتداء ولا يثبت الحيلة ولا يثبت سبق العزم على الغيلة.
والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال في الحدود والدماء. فإذا كان تعدد الطعنات يحتمل أمرين: احتمال سبق العزم والتخطيط، واحتمال الانفعال والغضب وفقد السيطرة اللحظي، فإنه لا يجوز للمحكمة أن تحمل هذه القرينة على الاحتمال الأشد وحده، ثم تبني عليها القتل حداً.
فتعدد الطعنات قد يقع في سياق انفعال شديد، أو غضب مفاجئ، أو اضطراب نفسي، أو فقد سيطرة لحظي، خصوصاً إذا كان الاعتداء قد وقع عقب سؤال متعلق بفصل المستأنف من عمله ومن تسبب له في ذلك. وهذه احتمالات واقعية قائمة من ذات مدونات الحكم، ولا يجوز إهدارها عند تقدير عقوبة متناهية.
وتعدد الطعنات وصف لكيفية الاعتداء، وليس دليلاً مستقلاً على سبب الاعتداء أو سبق النية فيه. والتقرير الطبي يقرر مواضع الإصابات وسبب الوفاة، لكنه لا يقرر أن الجاني احتال أو بيت النية أو قصد الغيلة، لأن هذه مسائل قصدية وقضائية لا تستفاد من عدد الإصابات وحده.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (2192) أن القرائن لا تصل إلى الحكم بالعقوبة المتناهية، وأن الدماء يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها، ولا يصار لها إلا بدليل صريح لا يدخله الاحتمال. وقررت في المبدأ رقم (799) أن القتل حداً لا بد أن يثبت موجبه بما لا شبهة فيه. وقررت في المبدأ رقم (665) أن الدماء لا يقدم على إراقتها إلا عند وجود موجب وانتفاء الشبهة المانعة.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (646) أنه يتعين درء القتل عن المسلمين ما وجد لذلك مدفع. والمدفع هنا قائم؛ لأن تعدد الطعنات لا يؤدي إلى نتيجة واحدة لازمة هي الغيلة، بل يحتمل شدة الانفعال وفقد السيطرة، وهذه الشبهة كافية لمنع الحد.
ومن ثم فإن الحكم المستأنف أخطأ حين جعل تعدد الطعنات قرينة قاطعة على الغيلة، مع أن مبادئ المحكمة العليا تمنع بناء العقوبة المتناهية على قرائن محتملة.
استند الحكم إلى الإقرار المنسوب للمستأنف، وإلى تصديقه، وجعله من أدلة الإدانة. ومع التسليم الجدلي بصدور إقرار بأصل الاعتداء، فإن هذا لا يكفي لإثبات وصف الغيلة؛ لأن الإقرار بالفعل شيء، والتكييف الشرعي والنظامي للفعل على أنه قتل غيلة شيء آخر فالمتهم قد يقر بأنه اعتدى أو طعن أو تسبب في الوفاة، لكن لا يلزم من ذلك أنه أقر بتحقق الحيلة الحدّية أو الأمن من الغائلة أو انتفاء العداوة السابقة أو قيام موجب القتل حداً. وهذه الأوصاف لا تثبت بمجرد الإقرار العام بأصل الفعل، بل تحتاج إلى دليل مستقل صريح لا يدخله الاحتمال.
وقد نصت المادة (101/2) من نظام الإجراءات الجزائية على أنه إذا اعترف المتهم أثناء التحقيق بجريمة توجب القتل أو القطع أو القصاص في النفس أو فيما دونها، فيصدق اعترافه من المحكمة المختصة، مع تدوين ذلك في الضبط بحضور كاتب الضبط وتوقيعه. وهذا النص يفيد أن الاعتراف في الجرائم الموجبة للقتل ليس اعترافاً عادياً، بل يجب أن يخضع لتصديق قضائي يقتضي التحقق من سلامته وحدوده ومداه.
كما نصت المادة (74/2) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية على أن يدون في الضبط اعتراف المتهم عند التصديق، وكذلك ما يظهر للدائرة حيال أهليته وما يبدو عليها من عوارض. وهذا يؤكد أن الاعتراف لا يؤخذ على إطلاقه في قضايا الدماء، بل لا بد من بحث الأهلية والعوارض وسلامة الإدراك.
وقررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (2285)، الصادر بالقرار رقم (3/647) وتاريخ 22/12/1420هـ، أن مجرد الإقرار المحض إذا اكتنفه شبهة يكون فيه نظر. وقررت في المبدأ رقم (2292)، الصادر بالقرار رقم (6/136) وتاريخ 23/2/1423هـ، أن ثبوت التكليف وقت تصديق الاعتراف وصدوره من المعترف أمر لازم. كما قررت في المبدأ رقم (2298)، الصادر بالقرار رقم (4/1062) وتاريخ 27/10/1426هـ، أن الرجوع عن الاعتراف يدرأ الحد ولا يدرأ الحق الخاص.
وهذه المبادئ تدل على أن الاعتراف، حتى مع قوته، لا يغني عن التحقق من سلامته في باب الحدود والدماء، ولا يجوز تحميله أكثر مما تضمنه. فإذا لم يكن الاعتراف صريحاً في الغيلة بعناصرها الشرعية والقضائية، امتنع جعله دليلاً على القتل حداً.
وبناءً عليه، فإن أقصى أثر للإقرار، على فرض سلامته، أن يكون متعلقاً بأصل الاعتداء أو الوفاة، أما نقله إلى وصف الغيلة فيبقى استنتاجاً قضائياً مستقلاً لا يصح إلا بدليل صريح لا شبهة فيه، وهو غير قائم في الدعوى.
استند الحكم إلى محضر تمثيل الجريمة ومطابقته لبعض ما ورد في الأوراق. وهذا الاستدلال، في مقام القتل حداً، لا يكفي لإثبات وصف الغيلة؛ لأن تمثيل الجريمة تابع للإقرار ولا يستقل بإثبات القصد الخاص أو الحيلة.
فمحضر التمثيل قد يبين كيفية وقوع الاعتداء أو موضعه أو بعض أفعال الجاني، لكنه لا يثبت بذاته أن الفعل وقع غيلة، ولا يثبت أن الهدية كانت حيلة، ولا يثبت أن المستأنف بيت النية على قتل المجني عليه حداً.
والأخطر من ذلك أن المستأنف قرر عند عرض مقطع تمثيل الجريمة أنه مثل الجريمة واعترف وهو غير مدرك لما قام به. وهذه العبارة تثير شبهة جوهرية في سلامة الإدراك وقت التمثيل، وكان يجب على المحكمة أن تحققها، لا أن تجعل التمثيل دليلاً معززاً للحكم بالقتل حداً.
وتنص المادة (102) من نظام الإجراءات الجزائية على وجوب أن يكون الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله، وألا تستعمل وسائل الإكراه ضده. كما قررت المادة (72/2) من اللائحة التنفيذية أن المحقق يستجوب المتهم تفصيلاً ويتثبت من انطباق الأقوال على الواقع ويتأكد من صدق أقوال المتهم وتوافر الأدلة المساندة، وأن تدون إجابة المتهم كما نطق بها، وأن يعاد السؤال إذا ظهر عدم فهمه أو كان جوابه خارجاً عنه. وقررت المادة (72/3) من اللائحة التنفيذية أن المحقق إذا أنكر المتهم التهمة يتثبت من أقواله ودفوعه ويواجهه بالأدلة، وأن تكرار الاستجواب يكون بما لا يؤثر على إرادة المتهم.
ومؤدى ذلك أن أقوال المتهم وتمثيله للجريمة لا يعتد بها مجردة متى أثيرت شبهة في الفهم أو الإدراك أو الإرادة، ولا سيما إذا كان الحكم سينتهي إلى القتل حداً لذلك، فإن محضر التمثيل لا يصلح لإثبات وصف الغيلة، ولا يصلح لتجاوز الشبهات القائمة في الإقرار والحالة النفسية والقصد.
لا خلاف في أن التقرير الطبي الشرعي من الأدلة الفنية المهمة في بيان سبب الوفاة ومواضع الإصابات وطبيعتها. إلا أن الحكم أخطأ حين وسع دلالة التقرير الطبي ليجعله مسانداً لإثبات القصد الخاص والغيلة فالتقرير الطبي يثبت النتيجة والإصابات، لكنه لا يثبت الدافع ولا الحيلة ولا سبق النية ولا انتفاء العداوة السابقة. وهذه عناصر جوهرية في وصف الغيلة لا يكفي فيها تقرير الإصابات.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (651)، الصادر بالقرار رقم (6/111) وتاريخ 23/4/1408هـ، أن معرفة الطعنة التي لا يمكن بقاء الحياة معها من اختصاص أهل الخبرة وهم الأطباء. وهذا يعني أن دور الخبرة الطبية ينحصر في المسائل الفنية الطبية، أما وصف الواقعة بأنها غيلة فهو وصف شرعي وقضائي لا يثبت بمجرد بيان مواضع الطعنات.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (2187)، الصادر بالقرار رقم (1/1/200) وتاريخ 20/8/1436هـ، أنه ينبغي في القضايا الجنائية الاطلاع على تقارير الطب الشرعي الصادرة بحق المجني عليهم ورصد ما تدعو الحاجة إليه. وهذا يؤكد أهمية التقرير الطبي في حدوده الفنية، لا أنه دليل على القصد الخاص أو الغيلة.
وعليه، فإن الاستدلال بالتقرير الطبي لإثبات الغيلة يمثل خلطاً بين الدليل على النتيجة والدليل على الوصف الحدّي. والتقرير، على فرض قطعيته في سبب الوفاة، لا ينفي احتمال الانفعال والغضب، ولا يثبت أن الهدية كانت حيلة، ولا أن القتل وقع على وجه الغيلة الذي يوجب الحد.
أخطأ الحكم المستأنف حين التفت عن طلب الدفاع الجوهري بعرض المستأنف على لجنة طبية نفسية متخصصة، رغم أن هذا الطلب يتصل اتصالاً مباشراً بأهم مسائل الدعوى، وهي سلامة الإقرار، ومدى الإدراك وقت الواقعة، ومدى سلامة الإرادة وقت التحقيق والتمثيل، وتقدير القصد الخاص، وسبق النية، ودرء حد الغيلة.
فالدعوى لم تنته إلى عقوبة تعزيرية عادية، بل انتهت إلى الحكم بقتل المستأنف حداً، بعد أن قرر الحكم أنه كان عاقد العزم والنية، وأنه ارتكب الفعل على وجه الغيلة وهذه أمور نفسية وقصدية دقيقة لا يجوز الجزم بها مع وجود شبهة مؤثرة في الإدراك أو الإرادة أو الحالة النفسية إلا بعد تحقيق فني متخصص.
والثابت من مدونات الحكم وضبط الجلسات أن الواقعة وقعت في سياق اضطراب وانفعال، وأن المستأنف قرر عند عرض مقطع تمثيل الجريمة أنه مثل الجريمة واعترف وهو غير مدرك لما قام به. وهذه القرائن، في دعوى قتل حداً، لا يجوز إهدارها أو الاكتفاء بشأنها بالتقدير القضائي المجرد.
وتنص المادة (171) من نظام الإجراءات الجزائية على أن للمحكمة أن تندب خبيراً أو أكثر لإبداء الرأي في مسألة فنية متعلقة بالقضية، وأن يقدم الخبير تقريراً مكتوباً يبين فيه رأيه. وتقدير الحالة النفسية والعقلية، ومدى الإدراك وقت الفعل، ومدى أثر الانفعال أو الاضطراب على القصد والإرادة، مسائل فنية لا تستقل المحكمة بتقديرها متى أثيرت بشأنها شبهة جدية.
وصحيح أن المادة جاءت بصيغة الجواز، غير أن هذا الجواز يتحول إلى واجب قضائي متى كانت المسألة الفنية جوهرية ومؤثرة في النتيجة، ولا سيما إذا كانت العقوبة هي القتل حداً.
كما أن المادة (163) من نظام الإجراءات الجزائية تقرر أن لكل من الخصوم أن يطلب سماع من يرى من شهود والنظر فيما يقدمه من أدلة، وأن يطلب القيام بإجراء معين من إجراءات التحقيق، وأن للمحكمة أن ترفض الطلب إذا رأت أن الغرض منه المماطلة أو الكيد أو التضليل أو أنه لا فائدة من إجابته. وقررت المادة (114) من اللائحة التنفيذية أن رفض الطلب يدون في ضبط الدعوى مع ذكر أسباب الرفض. ومؤدى ذلك أن رفض طلب فني جوهري، كالفحص النفسي في دعوى قتل حداً، لا يصح إلا بتسبيب سائغ يبين عدم إنتاجه، وهو غير متحقق.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (647)، الصادر بالقرار رقم (3/40) وتاريخ 28/2/1408هـ، أنه لا بد من النص في تسبيب حكم القتل على أهلية المحكوم عليه وتكليفه. وقررت في المبدأ رقم (667)، الصادر بالقرار رقم (3/155) وتاريخ 14/6/1411هـ، أنه عند الحكم بقتل الجاني يجب على القضاة التصريح بأهلية المحكوم عليه وأنه مكلف.
وقررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (930)، الصادر بالقرارين رقم (3/1/34) وتاريخ 8/5/1432هـ، ورقم (2/1/119) وتاريخ 27/4/1434هـ، أن الأصل فيمن ثبت تكليفه بقاء العقل والتكليف، فلا يزول هذا الأصل إلا بأمر قطعي الدلالة. وهذا المبدأ لا يضعف دفع المستأنف، بل يؤكد ضرورة التحقيق؛ لأننا لا نطلب إسقاط التكليف بمجرد دعوى مرسلة، بل نطلب تحقيقاً فنياً للوصول إلى القطع أو نفيه.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (623)، الصادر بالقرار رقم (65/4/156) وتاريخ 26/7/1403هـ، أنه إذا عرضت للقاضي شبهة قد يكون لها أثر في درء القصاص، فإن عليه التثبت. وهذا ينطبق من باب أولى على حد الغيلة؛ لأن الحكم هنا لم يقف عند القصاص، بل قضى بالقتل حداً.
وغاية الدفع ليست إبراء المستأنف بمجرد الادعاء، وإنما تقرير أن المحكمة لا يجوز أن تحكم بالقتل حداً مع بقاء شبهة فنية مؤثرة لم تحقق، وكان يمكن تحقيقها بعرض المستأنف على لجنة طبية نفسية متخصصة.
خلط الحكم بين ثبوت أصل القتل وبين ثبوت وصف الغيلة الموجب للقتل حداً فليس كل قتل عمد يوجب القتل حداً، وليس كل استعمال لآلة قاتلة أو تعدد للطعنات أو وقوع للقتل في مسكن يعد غيلة والفرق جوهري؛ لأن القتل العمد، إن ثبت، يتعلق في أصله بحق أولياء الدم، أما القتل حداً فحكم استثنائي لا ينتقل إليه إلا بتحقق مناط خاص يخرجه عن مجرد الحق الخاص إلى الحق العام الحدّي.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (862) أن الأصل أن يكون دم القتيل للورثة، ولا ينقل ذلك إلى حكم الحد، كالمحاربة والفساد وقتل الغيلة. وقررت في المبدأ رقم (865) أن الأصل عدم الغيلة حتى يثبت ما يدل عليها وهذان المبدآن يحكمان النزاع مباشرة؛ إذ كان الواجب على الحكم أن يبين الدليل الصريح المستقل الذي نقل الواقعة من قتل عمد، إن ثبت، إلى قتل غيلة حدي، لا أن يكتفي بالقرائن المحتملة.
كما قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (1230)، الصادر بالقرار رقم (3/691) وتاريخ 19/11/1423هـ، أنه لا يصار إلى القتل إلا عند ثبوت موجبه وانتفاء ما يمنعه. وقررت في المبدأ رقم (669)، الصادر بالقرار رقم (6/190) وتاريخ 26/7/1411هـ، أنه لا يصح قتل معصوم إلا بموجب لا شك فيه، كما لا يصح إهدار دم معصوم.
وبما أن موجب القتل حداً لم يثبت بدليل لا شبهة فيه، وبما أن موانعه وشبهاته قائمة من ذات مدونات الحكم، فإن الحكم يكون قد أخطأ في تطبيق الشرع والنظام وفي تكييف الواقعة.
على فرض أن المحكمة رأت ثبوت أصل الاعتداء، فإن ذلك لا يكفي للقول بثبوت الغيلة. فإذا احتملت الواقعة الغيلة واحتملت القتل بسبب خصومة أو غضب أو انفعال، وجب ترك وصف الغيلة. وإذا احتملت سبق النية واحتملت فقد السيطرة اللحظي، امتنع الحكم بالحد. وإذا قامت شبهة في الإدراك أو الإرادة أو دلالة الإقرار، وجب تحقيقها أو درء الحد بها.
وقد قررت المحكمة العليا في المبدأ رقم (610)، الصادر بالقرار رقم (65/6/317) وتاريخ 22/12/1399هـ، أن للشبهة أثراً في حقن الدماء لا في إشاطتها. وقررت في المبدأ رقم (621)، الصادر بالقرار رقم (20/2/121) وتاريخ 15/6/1403هـ، أن الأصل عصمة الدم حتى يثبت ما يبيحه.
وقررت كذلك في المبدأ رقم (646) أنه يتعين درء القتل عن المسلمين ما وجد لذلك مدفع، وفي المبدأ رقم (665) أن الدماء لا يقدم على إراقتها إلا عند وجود موجب وانتفاء الشبهة المانعة، وفي المبدأ رقم (799) أن القتل حداً لا بد أن يثبت موجبه بما لا شبهة فيه وهذه المبادئ تقود إلى نتيجة واحدة، وهي أن الشبهات القائمة في هذه الدعوى لا يجوز تجاوزها عند الحكم بالقتل حداً. وأقل ما توجبه هو نقض الحكم فيما انتهى إليه من وصف الغيلة، أو إعادة القضية لاستكمال التحقيق في المسائل الفنية والجوهرية.
ثالثاً: الطلبات
لذلك كله، ألتمس من فضيلتكم ما يلي:
والله يحفظكم ويرعاكم.
المحامي الدكتور حسام العريان
السعودية : 00966598065665
مصر : 00201011033686