تُعد جريمة جلب المواد المخدرة من أخطر الجرائم التي تصدى لها نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/39) لعام 1426هـ، لما تمثله من تهديد مباشر لأمن المجتمع وسلامته. وقد عرّفت المادة (1) من النظام الجلب بأنه: "إدخال المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية إلى المملكة"، وهو تعريف واسع يشمل كل صور الإدخال بغض النظر عن وسيلته أو طريقته، سواء كان عبر البر أو البحر أو الجو أو الطرود البريدية أو الشحن التجاري، وسواء باشر المتهم الإدخال بنفسه أو تم الإدخال عن طريق غيره نتيجة تخطيط أو تنسيق أو اتفاق سابق.
ويمتد مفهوم الجلب ليشمل كذلك الاستيراد أو النقل أو التوصيل أو الترتيب مع أطراف خارج المملكة بقصد إدخال المواد المخدرة، وهو ما يجعل الجلب أوسع نطاقًا من مجرد العبور المادي للحدود، إذ قد يتحقق الجلب حتى في غياب الدخول الفعلي للمتهم إلى المملكة متى ثبت أن له دورًا جوهريًا في عملية الإدخال.
ويختلف الجلب عن التهريب، إذ عرّفت المادة (1) من النظام التهريب بأنه: "كل ما يعد تهريبًا وفقًا لما ينص عليه نظام الجمارك"، وبالتالي فإن ما يميز التهريب هو اقترانه بالإخفاء أو التحايل أو تجاوز الرقابة الجمركية، بينما الجلب يتحقق بمجرد إدخال المادة إلى الإقليم الجمركي للمملكة، سواء أكان ذلك بطريقة مشروعة في ظاهرها أم لا. وعليه فإن التهريب يُعد صورة مشددة من صور الجلب، ولا يجوز نظامًا الجمع بين الوصفين عن فعل واحد، إذ يُعمل حينئذ بالوصف الأشد تطبيقًا لقاعدة وحدة الفعل وتعدد الأوصاف، والجمع بين التهمتين يُعد ازدواجًا في التكييف.
أولًا: الركن المادي لجريمة جلب المواد المخدرة
يتحقق الركن المادي لجريمة الجلب بكل سلوك يؤدي إلى إدخال المادة المخدرة إلى أرض المملكة، ويشمل ذلك حمل المتهم للمادة بنفسه عبر المنافذ، أو إرسالها عبر الطرود أو الشحن، أو تسهيل إدخالها من الخارج عن طريق التخطيط أو التمويل أو التنسيق. ويكفي لتحقق الركن المادي عبور المادة المخدرة لحدود المملكة ودخولها النطاق الجمركي، حتى وإن لم تخرج من الدائرة الجمركية أو لم تصل إلى مقصدها النهائي. كما أن الإعداد المسبق والتخطيط والاتفاق مع أطراف خارج المملكة تُعد من الأفعال المكونة للركن المادي متى ثبت اتصالها المباشر بعملية الإدخال.
ولا يؤثر في قيام الركن المادي كون الكمية قليلة أو كبيرة، إذ أن العبرة بالفعل ذاته، غير أن الكمية تظل عنصرًا مهمًا في تقدير القصد الجنائي وتكييف الوصف الجرمي.
ثانيًا: الركن المعنوي لجريمة جلب المواد المخدرة
يقوم الركن المعنوي على توافر القصد الجنائي، أي علم المتهم بأن المادة التي يجري إدخالها مادة مخدرة أو مؤثرة عقليًا مدرجة في الجداول الملحقة بالنظام، واتجاه إرادته إلى إدخالها إلى المملكة بقصد غير مشروع. ولا يكفي مجرد العلم بوجود المادة، بل يجب أن تثبت نية الإدخال لغاية محظورة كالترويج أو الاتجار أو التوزيع، وليس لمجرد النقل العارض أو الاستعمال الشخصي. ويُستدل على القصد الجنائي بالاعترافات الصحيحة، أو بالمراسلات والاتصالات، أو بالقرائن القوية كضخامة الكمية أو طريقة الإخفاء أو الارتباط بشبكات منظمة.
وهنا يقع الخطأ العملي في بعض القضايا عندما يُفترض القصد الجنائي لمجرد عبور المتهم للحدود وبحيازته مادة مخدرة، في حين أن الجلب جريمة عمدية لا تقوم إلا بثبوت نية خاصة، ولا يجوز افتراضها دون دليل، إذ أن مجرد الدخول إلى المملكة بمادة مخدرة لا يكفي بذاته لإثبات قصد الجلب متى ثبت أن الحيازة عارضة أو بقصد التعاطي الشخصي أو دون علم حقيقي بطبيعة المادة.
ثالثًا: التنسيق مع الخارج كعنصر في الجلب والاشتراك الجرمي
يُعد فعل التنسيق مع الخارج من أخطر صور المشاركة في جريمة الجلب، وقد عالجه النظام صراحة في المادة الثالثة الفقرة (6) التي جرّمت المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة في ارتكاب أي من الأفعال المجرّمة، ويشمل ذلك التواصل مع موردين أو مهربين خارج المملكة، أو ترتيب الشحن، أو التمويل، أو إعطاء التعليمات. ويُعتبر هذا التنسيق تدخلًا جوهريًا يُكمل الركنين المادي والمعنوي للجريمة، وقد يُسأل من قام به باعتباره فاعلًا أصليًا أو فاعلًا معنويًا متى كان دوره مؤثرًا في عملية الإدخال، ولو لم يعبر الحدود بنفسه.
ومن صور التنسيق الشائعة: الاتفاق الدولي على إدخال الشحنة، أو التحريض وتقديم المعلومات عن المنافذ، أو التنفيذ الجزئي بتلقي التعليمات الخارجية واستلام المواد داخل المملكة، وجميعها تُكوّن جريمة الجلب متى ثبت اتصالها المباشر بالفعل الإجرامي.
رابعًا: أثر الكمية القليلة جدًا في التكييف الجرمي
لا يغير صِغر الكمية من قيام جريمة الجلب من حيث الأصل، إلا أن الكمية تُعد عنصرًا جوهريًا في تقدير القصد الجنائي، وقد تكون سببًا جوهريًا في تعديل الوصف الجرمي من جلب إلى حيازة مجردة أو تعاطٍ متى انتفى الدليل على نية الترويج أو الاتجار، وهو ما يُبرز أهمية التكييف الصحيح للواقعة وعدم التوسع في افتراض القصد.
خامسًا: عقوبة جريمة الجلب لأول مرة وسلطة النزول عنها
قرر النظام عقوبات مشددة لجريمة الجلب قد تصل إلى القتل تعزيرًا في الحالات الجسيمة، إلا أن ذلك لا يُطبق بصورة آلية، إذ يملك القاضي سلطة تقديرية واسعة في تقدير العقوبة والنزول عنها متى توافرت ظروف مخففة، كعدم العود، أو صغر الكمية، أو محدودية الدور الإجرامي، أو انتفاء قصد الترويج، وقد تنتهي العقوبة إلى السجن دون بلوغ حد القتل.
سادسًا: تعديل الوصف الجرمي كأداة دفاع جوهرية
يُعد تعديل الوصف الجرمي من جلب إلى حيازة مجردة أو تعاطٍ من أهم محاور الدفاع في قضايا المخدرات، ويُبنى ذلك على نفي القصد الخاص، وبيان ضعف الدور الإجرامي، وانتفاء التنظيم أو التنسيق الخارجي، وإثبات أن الفعل لا يجاوز كونه إدخالًا عرضيًا أو حيازة شخصية دون نية إجرامية مستقلة، وهو ما يجعل التكييف السليم للواقعة حجر الأساس في اختلاف نتائج القضايا رغم تشابه الوقائع ظاهريًا.
المحامي الدكتور حسام العريان
0598065665