بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة رئيس محكمة الاستئناف سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
مذكرة إستئناف
(مرافعة)
المستأنف: .....
المستأنف ضدها: النيابة العامة
الحكم المستأنف: .............................
أولاً: منطوق الحكم المستأنف:
(... فقد ثبت لدى الدائرة بالأكثرية إدانة المدعى عليه /...... بالاعتداء بالضرب على ابنتيه المجني عليهما /....، .... . وذلك ب..... متجاوزا بذلك حدود ما له من ولاية عليهما، وتعريضهما لما يهدد سلامتهما الجسدية والنفسية .....
ثانياً: أسباب الحكم المستأنف.
نحيل للحكم منعاً للتكرار
ثالثا: أسباب الاستئناف.
تأديب الأب لأولاده (حق) ويبيح هذا الحق أفعال الضرب الخفيف ولا يصح القول إن الأب خرج عن حدود حقه المقرر له بمقتضي الشريعة إلا إذا كان الضرب فاحش وهو الذي يؤثر في الجسم ويغير لون الجلد وقد أجا ز الفقهاء الضرب و من ذلك قول ابن قدامه (التأديب الضرب والوعيد والتعنيف) (المغني 2/350) وجاء في التاج والإكليل (ونقل ابن عرفه في التأديب أنه يكون بالوعيد والتقريع لا بالشتم فإن لم يفد القول انتقل الي الضرب (التاج والإكليل 2/85) والضابط المعاصر الذي يمكن أن يُمكن أن يُستند إليه في التفريق بين الضرب الخفيف والضرب الفاحش هو التقرير الطبي الذي تكون مدة علاج الإصابة فيه تزيد عن (21 يوم) وحيث ان الواقعة خلت من التقرير الطبي الذي يثبت معه أن الضرب مُبرح فإن الفعل المنسوب للمستأنف يظل في دائرة الفعل المباح ولا يجوز المعاقبة على الفعل المُباح الذي لم يدخل دائرة التجريم مما يكون معه الحكم المستأنف قد جانبه الصواب فيما انتهى اليه من قضاء.
استقرت المبادئ القضائية على أن: «ما كان مبهماً يُرجع فيه إلى توضيح المقر نفسه» (م ق د 54/3/7) بتاريخ 13/4/1401هـ. ، وحيث إن المستأنف قد أدلى بإقراره أمام المحكمة، وفي مجلس القضاء، بأنه قام بـ (دفع) ابنته فقط، فإن هذا الإقرار هو الإقرار المعتبر نظامًا وشرعًا، عملًا بنص المادة (14) من نظام الإثبات، التي تقضي بأن العبرة بالإقرار الصادر أمام الجهة القضائية المختصة. ، وإذ كان للمحكمة – على سبيل الجدل – أن تستأنس بما ورد في محضري الاستجواب وسماع الأقوال، فإن الثابت منهما أن المستأنف لم يُقر إلا بواقعة الضرب على إطلاقها، دون أن يرد في أي منهما إقرار بوقوع ضرب مُبرح أو فاحش، أو إقرار بأن ما نُسب إليه من ضرب هو الذي أحدث الإصابات التي قيل إن المدرسة لاحظتها على المجني عليها. ، ومن ثم، فإن الإقرارات الواردة في محضري الاستجواب وسماع الأقوال لا يصح التعويل عليها أو الأخذ بها، لافتقادها السند الواقعي، إذ خلت أوراق الدعوى كافة من أي تقرير طبي أو دليل فني يثبت أن الضرب – على فرض وقوعه – كان ضربًا مُبرحًا أو أنه خلّف أثرًا أو إصابة معتبرة نظامًا. ، كما أن الأخذ بالإقرارات الواردة في محضري الاستجواب وسماع الأقوال يُعد مخالفًا لنص المادة (16/2) من نظام الإثبات، التي تنص صراحة على أنه: «لا يُقبل الإقرار إذا كذبه ظاهر الحال»، وحيث إن ظاهر الحال في الدعوى – والمتمثل في عدم وجود أي دليل طبي أو مادي – يكذب تلك الإقرارات، فإنها تفقد حجيتها النظامية. ، وبناءً عليه، ينتفي الركن المادي للجريمة المسندة إلى المستأنف، ويكون الحكم المستأنف قد صدر مخالفًا لصحيح النظام، ومخالفًا لنص المادتين (14) و(16/2) من نظام الإثبات، مما يوجب نقضه.
أسس الحكم المستأنف قضاءه – في معرض تسبيبه – على ما ورد في المحضر المعد من قبل مديرة المدرسة الثانوية (……)، والذي تضمن إفادتها بحضور المدعية/ (……) إلى المدرسة وهي في حالة سيئة، ووجود آثار يُدّعى أنها ناتجة عن ضرب وعنف في وجه الطالبة، مع ظهور مظاهر خوف شديد عليها من بكاء ورجفة.وحيث إن هذا المحضر لا يعدو كونه بلاغًا تحركت به الدعوى الجزائية، ولا يُعد في ذاته دليلاً من أدلة الإثبات الجنائي المعتبرة نظامًا، إذ إنه قد حُرر بناءً على ما نُقل لمديرة المدرسة من أقوال المجني عليها فقط، دون أن تكون قد شاهدت واقعة الضرب أو عاينت مصدر تلك الآثار أو كيفية حدوثها، الأمر الذي ينتفي معه عنصر المشاهدة المباشرة الذي يُكسب الدليل قيمته الإثباتية.
ومن المقرر شرعًا ونظامًا أن قول المجني عليه وحده لا يصلح لأن يكون دليلاً قائمًا بذاته للإدانة، إذ إن البلاغ لا يعدو أن يكون ادعاءً، وقد قال رسول الله ﷺ:«لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم»، وهو ما استقر عليه القضاء في أن الإدانة لا تقوم على مجرد الدعوى أو الأقوال المجردة.كما أن مديرة المدرسة لم تورد في محضرها إلا ما نُقل إليها على لسان الشاكية، دون أن تقدم أي دليل فني أو طبي يؤكد صحة الوصف الوارد في البلاغ من وجود ضرب أو عنف، لاسيما في ظل خلو أوراق الدعوى من أي تقرير طبي يثبت حدوث إصابة أو يبين طبيعتها أو سببها.وقد استقرت المحكمة العليا في قرارها رقم (239/5/62) بتاريخ 22/11/1403هـ على أن: "الإدانة بجرم تحتاج لثبوتها إلى اعتراف أو بينة سالمة من الجرح"، وهو ما لا يتوافر في الدعوى محل الاستئناف، إذ خلا ملفها من أي اعتراف معتبر أو بينة مكتملة الأركان.وعلى ضوء ما تقدم، يتضح لفضيلتكم أن الحكم المستأنف قد بنى قضاءه بالإدانة على ما لا يعد بينةً أو دليلاً صحيحًا على صحة الاتهام، الأمر الذي يعيبه بالقصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق، ويستوجب إلغاءه ونقضه.ويؤيد ذلك ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في قرارها رقم (339/6) بتاريخ 11/8/1414هـ، من أن: "الحكم إذا بُني على ما لا يصلح للبناء عليه فإنه لا يُعتد به ويُقضى بنقضه".
أخطأ الحكم المستأنف في تطبيق نص المادة (3) من نظام حماية الطفل، وبالأخص الفقرتين (6) و(14) منها، كما توسع في تفسيرهما وتأويلهما توسعًا غير منضبط، ولو أُخذ بما انتهى إليه الحكم لكان في ذلك مصادرة لحقٍ شرعيٍ أجازته الشريعة الإسلامية للأب في حدود التأديب غير المبرح.
وحيث إن المجني عليهن يعشن في كنف المستأنف وباختيارهن، ويتمتعن بمستوى دراسي متفوق في مختلف المراحل التعليمية، بل إن إحداهن تدرس دبلومًا تربويًا بمصروفات خاصة، كما أن أشقاءهن من الذكور يعملون في وظائف تخصصية (مهندس وطبيب)، فإن هذه الوقائع الثابتة تكذب – بظاهرها وواقعها – ما ذهب إليه الحكم من تكييف تصرف المستأنف على أنه سوء معاملة بالمعنى المقصود في الفقرة (6) من المادة (3)، أو أنه من قبيل تعريض الطفل لما يهدد سلامته أو صحته الجسدية أو النفسية وفق الفقرة (14) من ذات المادة.إذ لا يُتصور – منطقًا ولا واقعًا – تحقق هذا المستوى من الاستقرار والتفوق العلمي لجميع الأبناء دون استثناء في بيئة يُدعى فيها وجود إساءة معاملة أو تهديد للصحة الجسدية أو النفسية، ويُضاف إلى ذلك أن المجني عليهن يعشن مع المستأنف باختيارهـن، رغم عدم وجود صك حضانة يلزمهن بذلك، كما أن والـدتهن تقيم في مسكن لا يبعد سوى مئات الأمتار، الأمر الذي ينقض زعم تعريضهن لسوء المعاملة أو تهديد سلامتهن الجسدية أو النفسية، إذ لو صح ذلك لاختـرن الإقامة مع والدتهن درءًا للضرر المزعوم.ولا يجوز التوسع في تفسير الفقرتين (6) و(14) من المادة (3) من نظام حماية الطفل على نحوٍ يؤدي إلى تجريم كل تصرف تأديبي مشروع، لأن في ذلك إفراغًا لحق الأب في التأديب غير المبرح من مضمونه، ومصادرةً لسلطته الشرعية وولايته على أولاده، وهو ما لا يستقيم مع مقاصد الشريعة ولا مع غاية المنظم من سنّ النظام.وحيث إن بلاغ المجني عليهما لا يعدو كونه قولًا مرسلًا، لم يُسند إلى بينة شرعية أو دليل نظامي يثبت صحة ما نُسب إلى المستأنف، فإن المقرر قضاءً أنه:
"ينبغي ذكر مستند كل قائل في قوله؛ لأن مجرد القول الذي لا يؤيد بدليل لا أثر له في الأحكام"
)م ق د رقم 233/5 بتاريخ 28/3/1422هـ( . كما أن مديرة المدرسة لا تُعد – في حكم النظام – شاهدة على الواقعة، إذ لم تشاهد الواقعة حال ارتكابها، ولم تعاين صدور أي اعتداء من المستأنف بحق المجني عليهما، وهو ما تنتفي معه أركان الشهادة المعتبرة نظامًا. ومن ثم فإن ما نُسب إلى المستأنف من اتهام جاء على غير أساس من النظام، وخاليًا من الدليل، ويكذبه ظاهر الحال وواقع الأوراق، الأمر الذي يبطل معه الاتهام، وتبرأ به ذمة المستأنف.
وعلى سبيل الفرض والاحتياط – إن رأت المحكمة أن الفعل المسند إلى المستأنف معاقب عليه نظامًا – فإن شروط إيقاف تنفيذ العقوبة تكون متوافرة في حقه، بل إن إيقاف التنفيذ يحقق مصلحة راجحة للمجني عليهن أنفسهن، ويتفق مع مقاصد الشريعة ومبادئ العدالة. ذلك أن تنفيذ العقوبة المحكوم بها من شأنه إلحاق ضرر بالغ بالمجني عليهن اجتماعيًا ونفسيًا، إذ سيؤدي إلى تداول قالة السوء عنهن، ووصمهن بأنهن كن سببًا في سجن والدهن، بما قد ينعكس سلبًا على سمعتهن ومستقبلهن الاجتماعي، ويؤخر زواجهن واستقرارهن الأسري، فضلًا عما قد يترتب عليه من قطيعة رحم بينهن وبين والدهن، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في صيانة الأعراض، وحفظ الروابط الأسرية. كما أن المستأنف قد بلغ من العمر ما يقارب الستين عامًا، وهو ممن يُرجى عدم عودته لمثل هذا الفعل – إن وقع – فضلًا عن خلو سجله من أي سوابق جنائية أو قضائية، حيث عمل طوال حياته الوظيفية في قطاعات (.....) مرموقة، واختتم خدمته في ...، وهو ما يشهد بحسن سيرته واستقامته والتزامه النظامي، ويؤكد انتفاء الخطورة الإجرامية في حقه. كما أن والمستأنف من ذوي الهيئات المشهود لهم بين الناس بحسن السيرة والسمعة والأخلاق والتدين، وقد قرر الفقهاء أن التعزير يختلف باختلاف الجاني والمجني عليه والجناية، حيث قال ابن فرحون – رحمه الله – في تبصرة الحكام:" التعزير بحسب الجاني والمجني عليه والجناية... فإذا تقرر أن فاعل ذلك يؤدب، فإن كان رفيع القدر خفف أدبه ويتجافى عنه، وكذلك من صدر منه فلتة؛ لأن القصد بالتعزير الزجر عن العودة، ومن صدر منه فلتة يُظن به ألا يعود إلى مثلها" ومن ثم، فإن إيقاف تنفيذ العقوبة في حق المستأنف يحقق الغاية المقصودة من العقوبة، دون أن يترتب عليه أضرار جسيمة تفوق مصلحة التنفيذ، ويُعد تطبيقًا سليمًا لمبدأ تفريد العقوبة، ومراعاةً لحال الجاني والمجني عليهن، الأمر الذي يلتمس معه المستأنف من عدالة المحكمة إعمال سلطتها التقديرية بإيقاف تنفيذ العقوبة كاملة.
رابعاً: طلبات المستأنف
والله يحفظكم ويرعاكم،
المستانف
المحامي الدكتور حسام العريان
00966554545216